-->

مساهمة أولية في نقد "الميثاق الوطني للتربية والتكوين" حــسام عـزيـــز

مساهمة أولية في نقد "الميثاق الوطني للتربية والتكوين"  حــسام عـزيـــز

     

    مساهمة أولية في نقد "الميثاق الوطني للتربية والتكوين"

           دبــــــــاجـــة:

    لقد شكل قطاع التعليم مجالا تاريخيا للصراع بين البرجوازية الكومبرادورية، وبين الشعب المغربي كقطب مستقل تتقاسم كل الفئات والطبقات المكونة له واقع الاضطهاد والاستغلال والحيف الاجتماعي بكل أشكاله، وخاصة بعدما اختلت موازين القوى بين تطور البنية التحتية وبين تطور الجامعة كمؤسسة تعليمية توجد في البنية الفوقية، و الذي ستتحول الجامعة بموجبه إلى إنتاج قوى منتجة هي في حقيقة الأمر وبحكم نظام الإنتاج التبعي للمجتمع المغربي تصير قوى غير منتجة .

    وفي هدا السياق سيبدأ مسلسل الهجوم المباشر على قطاع التعليم ، وسيتجسد بشكل واضح في القرار الذي أصدره وزير التعليم أنداك ، والقاضي بمنع التلاميذ الدين تجاوز سنهم الثامن عشر من الانتقال إلى مرحلة الثانوي ، ولقد ردت الجماهير التلاميدية والطلابية بقيادة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب على هدا الاستهداف المباشر، بانتفاضة شعبية عارمة في  سنة 1965، واجهها عملاء الامبريالية بقمع شديد وهمجي خلف اكتر من 1400، شهيدة وشهيد.

    وبعدها ستتكرر محاولات الإجهاز على مجانية وعمومية التعليم وخاصة مع إصلاح 1965 وإجراءات 1983 وإصلاح 1985 وصولا إلى الميثاق الوطني للتربية والتعليم ونسخته المشوهة المخطط الاستعجالي الذي جاء ليسرع من وتيرة تطبيق بنوده التخريبية ، وستتصدى الحركة الطلابية لهده المحاولات بتفجيرها لمعارك بطولية قدمت من خلالها قافلة من الشهداء، في سبيل الحفاظ على مجانية وعمومية التعليم ومن اجل المراكمة لهدفها الاستراتيجي المتمثل في تحقيق تعليم ديمقراطي شعبي.


    1- نشأة الجامعة المغربية 

             لقد أدى تعرض المغرب للاستعمار المباشر من طرف الامبريالية الأوربية (فرنسا، اسبانيا ...) إلى تحطيم بنيته الاقتصادية بالحديد والنار وإرساء بنية اقتصادية جديدة تمثلت في نمط الإنتاج الرأسمالي التابع للدوائر الامبريالية، ولقد أدى هدا إلى نشأة برجوازية كومبرادورية مغربية تختلف من حيت نشأتها وسيرورة تطورها عن البرجوازية الأوربية، ودلك لأنها تكونت عن طريق التدخل الاستعماري، وما نتج عنه من ربط  بنية مجتمعنا  بالقوة مع البنية الاقتصادية للدول الامبريالية، مما جعلها - أي البرجوازية المغربية - في علاقة تبعية مند ولادتها مع البرجوازية الامبريالية.

    ولقد أدى هدا التغير في التشكيلة الاجتماعية- الاقتصادية، إلى ظهور نمط جديد من التعليم تمثل أساسا في نوعين أساسيين، تجلى الأول في المدارس التي بناها المستعمر والتي كانت تهدف إلى خلق الأطر التي ستضمن له إعادة إنتاج نفس علاقة الإنتاج السائدة.

     أما الثاني فينقسم إلى قسمين، تمثل الأول في المدارس الخاصة التي أنشأتها  الحركة الوطنية في إطار مجابهتها لإيديولوجية المستعمر، أما الثاني فتمثل في التعليم التقليدي الذي اخترقته الموجة الإصلاحية الآتية من الشرق، ولقد كانا يهدفان إلى خلق وعي بالثقافة الوطنية ومناهضة الثقافة الاستعمارية التي كان ينشرها المستعمر وعملائه.

     غير أن الفئات التعليمية التي كانت تدرس في النوع الثاني من التعليم لم تكن تصل إلى الجامعة، نظرا لانحدار اغلبها من الفئات التي كان يمارس عليها الحيف والاضطهاد من طرف المستعمر وعملائه المحليين، في حين أن الفئات التعليمية التي كانت تدرس في النوع الأول من التعليم كان في استطاعتها الدراسة في الجامعات الأجنبية، لأنها تكونت من أبناء المعمرين  والبرجوازية الكومبرادورية والملاكين الكبار للأراضي، وحتى من بعض أبناء البرجوازية الوطنية الدين كان آباؤهم  محسوبين على الخط الوطني قبل أن يفتضح أمرهم للجماهير الشعبية، وخاصة بعد معاهدة "ايكس ليبان" الخيانية سنة 1956 التي باعت الوطن بدراهم معدودة واستباحت خيراته .

    وبعد الاستقلال الشكلي ، ستغادر مجموعة من الأطر الفرنسية والاسبانية الإدارات المغربية، مما سيترك خصاصا كبيرا على مستوى الأطر التي ستعوض اطر المعمرين في تسيير البلاد، والدي لم تستطع الأطر المتخرجة من الجامعات الأجنبية والخاصة تغطيته، لان هده الأخيرة لم تعد قادرة على إنتاجهم بهدا الكم الكبير وبجودة متوسطة ، وهدا ما سيوفر الشروط الموضوعية لنشأة الجامعة المغربية.

    أما الشرط الذاتي فلقد تجلى في نضال الجماهير الشعبية التي وعت بان قضية الجامعة  قضيتها، لان وجود جامعة عمومية ومجانية في المغرب سيوفر لأبنائها التعليم المجاني الذي كانت محرومة منه في مرحلة الاستعمار المباشر، نضرا للمصاريف الباهظة للجامعات الأجنبية والخاصة، وفي هدا السياق تأتي مطالبتها بإنشاء الجامعة المغربية.

     كما لا يمكن هنا تجاهل الدور الذي لعبته الحركة الطلابية المغربية في مطالبتها بالجامعة المجانية و العمومية، ودلك ادا علمنا أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي شكل أرقى حلقة تنظيمية في مسيرة نضالاتها ضد المستعمر ومن اجل مطالبها، قد تأسس في سنة 1956 بينما أول جامعة في المغرب قد تأسست سنة 1957/1958.

     ومن هنا يمكن القول أن الجامعة المغربية قد فرضت على البرجوازية الكمبرادورية، لأنها أنشئت بنضالات الجماهير الشعبية وليس برغبة ذاتية من دولة المعمرين الجدد.

    وكخلاصة لما سبق، فان نشأة الجامعة المغربية كان له عوامل موضوعية وذاتية، تجلت الأولى في الفراغ الذي تركه المستعمر بعد الاستقلال الشكلي من جهة، وعدم قدرة الجامعات الأجنبية والخاصة على إنتاج الأطر الكافية لتغطية هدا الفراغ من جهة أخرى، أما الثانية فتجلت في نضالات الجماهير الشعبية ومن ضمنها الحركة الطلابية من اجل الحق في التعليم المجاني والعمومي، لأنها كانت محرومة منه في عهد الاستعمار المباشر .


    2- تطور الجامعة المغربية

    لقد وصلنا سابقا إلى أن الجماهير الشعبية قد فرضت على البرجوازية إنشاء الجامعات المغربية المجانية والعمومية، لكي يتمكن أبناؤها من استكمال دراستهم الجامعية والحصول على الشواهد العليا، التي كانوا محرومين منها في مرحلة ما قبل الاستقلال الشكلي، ولكنه سرعان ما ستتحول هده الجامعات إلى أداة في يد التحالف الطبقي المسيطر يحافظ من خلالها على تواجده ويضمن بواسطتها إعادة إنتاج نفس علاقات الإنتاج القائمة.

     فكيف انتقلت ادن الجامعة المغربية من مكسب تحقق عبر سيرورة نضال مرير وطويل للجماهير الشعبية، إلى أداة في خدمة التحالف الطبقي المسيطر؟.

    إن تحول الجامعة المغربية من خدمة الجماهير الشعبية وأبنائها، إلى أداة اديولوجية في يد الدولة، ليس إلا انعكاسا للبنية التحتية على البنية الفوقية، كما أن تبعيتها لجهاز الدولة ليس إلا وجه خاص من تبعية الصراع الاديولوجي للصراع السياسي1، فهي من حيت أنها أداة إيديولوجية، تخدم الممارسة السياسية للتحالف الطبقي المسيطر، من اجل حفاظه على سيطرته الطبقية، ودلك بتوفير الشروط المناسبة لإعادة إنتاج الشروط المادية للإبقاء على هده السيطرة، إضافة لمحاولة طمسها لهده الحقيقة الطبقية للصراع الإيديولوجي، ودلك باضهاره كصراع بين إيديولوجيات متناقضة ليس لها أي جدور في الواقع "وكان موضوعية الفكر هي في أن يكون الفكر في حياد عن الصراع الطبقي "2.

    وهدا ما تحاول البرجوازية جاهدة فعله في الجامعة، بحيث أنها تريد دائما إظهار الأفكار وكأنها أفكار متناثرة توجد في دهن الإنسان بشكل فطري ومستقل عن جذورها الطبقية والاجتماعية، وبفعلها هدا تستطيع خداع الطبقات الكادحة، وبالتالي إخضاعها لإيديولوجيتها الرجعية المسيطرة.

    ومن هنا كان لزاما على الفكر الماركسي الثوري أن يقوم بتعرية الجذور الطبقية للثقافة البرجوازية الرجعية، التي تموه وتطمس الصراع الطبقي في مستواه الإيديولوجي بين التحالف الطبقي المسيطر والتحالف الطبقي النقيض، ودلك بدفاعه عن الثقافة الشعبية وإرجاعه للدور التحرري الذي يجب على الجامعة أن تلعبه، والمتمثل في إنتاج ونشر الثقافة التحررية و الشعبية، ضدا على ثقافة عملاء الاستعمار الجديد، التي لا تعبر إلا عن تعميق التبعية للدوائر الامبريالية .

    وهدا ما جسدته الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها الصامدة اوطم تاريخيا في المؤتمر الخامس عشر - الذي شكل قفزة نوعية في مسار تطور الحركة الطلابية-  في مجموعة من الشعارات والمواقف التقدمية التي كتفت بشكل خلاق للدور التحرري الذي يجب أن تلعبه الحركة الطلابية في سيرورة الثورة المغربية ودلك مثل :

    -         موقفها من التعليم بحيث عبرت عليه بشعار "تعليم شعبي عربي ديمقراطي علماني وموحد"، ودلك انسجاما ومطلبها التاريخي في تعليم شعبي ديمقراطي.**
    -         موقفها من الثقافة والدي انتقدت فيه الثقافة الرجعية السائدة، التي ينشرها النظام في صفوف الجماهير الشعبية وضمنها الطلابية ودعت إلى "جامعة موازية من اجل ثقافة شعبية".
    -         موقفها من معارك و القضايا جماهيرية الشعبية، و الذي عبرت عليه بشعار "لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة" 3.

    ومن هنا فان من بين المهام الأساسية للحركة الطلابية المغربية، هي فضح وتعرية إيديولوجية التحالف الطبقي المسيطر، من اجل الحفاظ على الدور التحرري للجامعة المغربية ونشر ثقافة شعبية، قادرة على المساهمة في دفع حركة الصراع الطبقي إلى مستواه السياسي.

    ولقد ساهم تطور الجامعة على المستوى الكمي، في جعل التوازن بين التطور الاقتصادي وبين تطور قوى الإنتاج يختل، نظرا لان الجامعة ليست منفصلة عن تطور المجتمع وبنيته ، و الذي يعتمد في تواجده على القطاعات الغير المنتجة، التي لا تحتاج إلى عدد كبير من القوى المنتجة.

    ولهدا السبب ستظهر الجامعة في منتصف العقد السادس من القرن الماضي بمظهر انعزالها عن الواقع، نظرا لان القوى المنتجة التي صارت تتخرج منها، أصبحت بحكم نمط الإنتاج التبعي قوى غير منتجة. وكيف تصير قوى منتجة والبرجوازية الكومبرادورية عاجزة عن إنتاج عالمنا المادي !!.

    ومن هنا فان نشأة الجامعة في نظام إنتاج تبعي يعتمد على عدد قليل من قوى الإنتاج، سيجعل مجموعة كبيرة من أبناء الجماهير الشعبية بعد تخرجها تصير عاطلة عن العمل، مما سيهيئ الشرط المناسب لادعاء البرجوازية بان التعليم قطاع غير منتج، وبالتالي بدءها بنهج سياسة التخطيط في حقل التعليم، التي ليست إلا لجما لتطور قوى الإنتاج، أي الحد من وصول أبناء الجماهير الشعبية إلى الجامعات المغربية وحرمانها من حقها المقدس في التعليم .

    نستنتج مما سبق على أن كون الجامعة أصبحت أداة إيديولوجية في يد النظام القائم في المغرب، لا يعني قيامها بهدا الدور بكل حرية، فهناك الحركة الطلابية المغربية التي تفضح باستمرار إيديولوجية النظام اللاوطني اللاديمقراطي اللاشعبي، وتنشر الثقافة الشعبية عن طريق نضالها اليومي إلى جانب الجماهير الطلابية سواء فيما يخص مطالبها المادية أو الديمقراطية، ودلك لان " الحركة الطلابية كانت دائما ولازالت تستوعب في صفوفها الاغليبة الساحقة داخل القطاع الطلابي و تفرض الانحدار وحتى التلاشي على ما دونها، أي الأقلية المطلقة التي تشكل أحيانا قاعدة لمشاريع معادية وتخريبية لتوجه الحركة"4.

    كما أن محاولة البرجوازية التبعية حرمان أبناء الجماهير الشعبية من حقهم في التعليم، عن طريق وضع الحواجز المادية والبيداغوجية، لا يعني أيضا قدرتها على خوصصة الجامعة، ودلك لان الحركة الطلابية بقيادة خطها الكفاحي والتقدمي شكلت ولا زالت الصخرة التي تكسرت و ستتكسر عليها جميع السياسات والمخططات الرجعية للبرجوازية التبعية وأسيادها الامبرياليين.


    3- السياق التاريخي لظهور الميثاق

    بعدما بدأت البرجوازية الكومبرادورية بنهج سياسة التخطيط في حقل التعليم، والتي ظهرت بوضوح في سنة 1965، ودلك اتر قرار وزير التعليم أنداك والهادف إلى حرمان التلاميذ الدين تجاوزوا سن الثامن عشر من حقهم في الانتقال إلى التعليم الثانوي، ستندلع انتفاضة شعبية في 23 مارس من نفس السنة في مدينة الدار البيضاء والنواحي تحدت فيها الجماهير التلاميدية والطلابية والجماهير الشعبية مدافع ورشاشات النظام القائم، بحيث سيسقط اكتر من 1400، شهيد وشهيدة تحت طلقات الرصاص الحي، إضافة إلى عدد كبير من الجرحى والمعطوبين والمعتقلين.

     ولقد استطاعت هده الانتفاضة أن تفرض على النظام التراجع على مخططه الهادف إلى حرمان أبناء الجماهير الشعبية من حقهم في التعليم، كما أنها أعطت رسالة واضحة إلى عملاء الامبريالية، مضمونها أن الشعب المغربي لن يتخلى عن مكسبه التاريخي المتمثل في مجانية وعمومية التعليم ، وخاصة بعدما تم التراجع على مجموعة من مكتسباته التاريخية التي حصنها في مسيرة نضاله ضد المستعمر، ولقد شكلت هده الانتفاضة نقطة تحول هامة في تاريخ مغرب ما بعد 1956 ، بحيث عبرت الجماهير الشعبية عن رفضها المطلق للملكية ورفعت شعار الجمهورية المغربية.

    وبعد هده الانتفاضة ستتكرر محاولات الإجهاز على قطاع التعليم وخوصصته وخاصة مع إصلاح 1975 والدي تصدت له الحركة الطلابية بشجاعة لا مثيل لها، والدي تلته إجراءات 1982 و 1983 مباشرة بعدما تم فرض الحظر العملي على اوطم، والتي ستمهد الطريق بدورها لإصلاح 1985 ، ولقد توجت هده المخططات الطبقية بالميثاق الوطني للتربية والتكوين- ونسخته المشوهة المخطط الاستعجالي- والدي مر بدوره بسيرورة ابتدأت مند  بداية التسعينات من القرن الماضي إلى سنة تطبيقه فما هي هده السيرورة ادن؟

    لقد رأينا سابقا على أن الاقتصاد المغربي هو اقتصاد تابع للامبريالية العالمية، و سيتم إغراقه بديون هده الأخيرة في إطار صراعها مع الاتحاد السوفياتي ومن اجل محاصرة المد الشيوعي الذي اجتاح العالم بكامله ومن ضمنه المغرب ، وعندما حسم الصراع - بشكل مؤقت طبعا -  لصالح الرأسمالية، نتيجة التراجعات التي أبدتها التحريفية السوفياتية بعد وفاة ستالين، استقر الوضع للدوائر الامبريالية مما جعلها تضغط على عملاءها الرجعيين من اجل استرجاع ديونها .

    وفي هدا السياق سيأتي تقرير البنك الدولي عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب، والهادف إلى خوصصة القطاعات العمومية ومن ضمنها التعليم، بحيث سيرد عليه الكومبرادور-الحسن الثاني- برسالة إلى رئيس البنك الدولي، تتضمن مجموعة من النقط من بينها إصلاح السياسة التعليمية في المغرب، وسيطلب فيها من البنك الدولي تقديم مجموعة من التوصيات أو سياسة تعليمية دقيقة يمكن تطبيقها في حقل التعليم لكي تتوفر على نسبة كبيرة من النجاح.

    وانسجاما مع ما سبق فان البنك الدولي سيرد بضرورة إصلاح التعليم وهدا ما جسدته التوصية 23 من تقريره حيت يرى بأنه " سيصبح قطاع التعليم في سنة 2010 ناقصا وغير ملائم وستظل نسبة المتمدرسين منخفضة، وستساهم ميزانية التعليم في إنهاك الميزانية العامة ،(التسطير لي) ولن يستجيب المتخرجون من مراكز التكوين المهني لحاجيات المشغلين ولن يكون بمستطاع المغرب أن يواجه تحديات القرن الواحد والعشرين".

    نستنتج من هده التوصية أنها تريد أن تعمم التعليم وتزيد من نسبته، كما أنها تشتكي من الميزانية التي تخصصها الدولة للتعليم، أي أنها تطرح ضمنيا تخلي الدولة عن التعليم وتفويته للقطاع الخاص، وبهدا فكيف يكمن أن نتحدث مع هولاء المشعوذين والمفترين عن تعميم التعليم في غياب مجانيته !!.

    ولكي يغطي البنك الدولي على هده التناقضات، فانه يستدرك ويقول في التوصية 37" بأنه لا يمكن أن تنجح الإصلاحات في قطاع التعليم والتكوين كيفما كان نوعها، إلا ادا قبلت من طرف كل طبقات المجتمع والجماعات المعنية، وبالتالي يجب وضع إستراتيجية للوصول إلى هدا الالتزام الشامل"

    كما انه يجب حسب التوصية 40 " الإجماع والانسجام الحكومي"، قبل فتح أي حوار شامل حول قضية التعليم. و دلك من اجل تكوين "اللجنة الملكية للتربية والتكوين" كترجمة للتوصية 39 التي تقول " من الأحسن إسناد صياغة هده النظرة - السياسة التعليمية - إلى مجموعة صغيرة من المسئولين ذي مستوى عالي، ويعملون تحت إمرة شخصية ذات سلطة محترمة على الصعيد الوطني " وهده الشخصية لن تكون سوى شخصية الكومبرادور طبعا .

    إن هده التوصيات شكلت السيرورة التي ستمر منها صياغة الميثاق الوطني للتربية والتعليم، بحيث سيتم إنشاء "اللجنة الملكية للتربية والتكوين" في مارس 1999، والتي ستسند أشغالها لأحد عملاء الكومبرادور، وهو عبد العزيز مزيان بلفقيه، ولقد ضمت هده اللجنة ممتلوا 14 حزبا يتراوحون مابين اليمين و"اليسار" ، بالإضافة إلى اتنيين من المؤسسة الدينية الرسمية وثمانية ممثلين عن النقابات البيروقراطية الصفراء ، وتسعة من كوادر النظام القائم من بينهم عضو في النقابة الوطنية للتعليم العالي.

     وبالتالي تكون اللجنة الملكية قد تكونت من 34 شخصا، مهمتهم الأساسية هي  خلق إجماع وطني مزعوم حول الميثاق، تطبيقا لأوامر التوصية 40 من تقرير البنك الدولي، ودلك من اجل إخراس كل من يجابه هده السياسة التعليمية، بدعوى" الإجماع الوطني " لشرذمة من المرتزقة والانتهازيين أبناء وأحفاد الخونة وعملاء الاستعمار.

    وهنا لن يفوتنا ذكر أن هده المراسم تمت بسرية تامة، ما عدى فضح الحركة الطلابية لها، ودلك لان هده اللجنة قد راسلت كل الجرائد والمجلات الصفراء- التي تتغنى دائما بالاستقلالية - لتطلب منها أن تلزم الصمت حتى الانتهاء نهائيا من صياغة الميثاق، تفاديا لخلق نقاش لدى الجماهير الشعبية حول قضية التعليم.


    4-   ما هو الميثاق وما هي أهدافه؟

    يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين مخطط طبقي، انزله التحالف الطبقي المسيطر على أبناء الجماهير الشعبية من اجل حرمانهم من حقهم المقدس في التعليم، ودلك عن طريق تطبيق مجموعة من البنود التخريبية، سواء فيما يخص الشق المادي أو الديمقراطي أو البيداغوجي، وهو يتكون من قسمين يتحدث الأول عن "المبادئ الأساسية" والتي تضم "المرتكزات الثابتة" و" الغايات الكبرى" و "حقوق وواجبات الأفراد والجماعات" و"التعبئة الوطنية لتجديد المدرسة"، أما القسم الثاني فيتناول "مجالات التجديد" وهي عبارة عن خمس مجالات تتكون من 19 دعامة .

    يهدف الميثاق في "مرتكزاته الثابتة" إلى خلق " المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح والمتسم بالاعتدال والتسامح ، الشغوف بطلب العلم والمعرفة في أرحب أفاقها والمتوقد للاطلاع والإبداع والمطبوع بروح المبادرة الايجابية و الإنتاج النافع" . يا سلام على هده السياسة التعليمية !!. فمادا يعني ادن المواطن المتصف بالاستقامة و الصلاح... ، عند هؤلاء السادة؟

     انه ببساطة المواطن الخنوع والمسالم لسياساتهم، والشغوف بتلقي إيديولوجيتهم الطبقية والمتسامح مع مصاصي دمائه والمطبوع بروح المبادرة الايجابية ، فما هي ادن هده المبادرة الايجابية ؟

    إنها ليست سوى مراكمة ثروات البرجوازية الكومبرادورية، وعدم فعل أي شيء من شانه أن يعكر صفو سيطرتها الطبقية، وما يزيد الطين بلة هو دعوتهم الصريحة لهدا المواطن بدون خجل أو استحياء إلى التمسك بالملكية وثوابتها.

    فلتنضروا معي إلى هده الخسة، إلى هدا الكذب والتلاعب بالكلمات، وستستنتجون أنه لا وجود لفكرة محايدة، كل شيء مرتبط بالصراع الطبقي، كل شيء مرتبط بالصراع حول وسائل الإنتاج، ولهدا فهم يرتعدون دائما عندما نردد على مسامع الجماهير الطلابية والشعبية الحقيقة الخالدة بقدر خلود النظام الرأسمالي الآيل حتما للسقوط ، بان هده السياسة : سياسة طبقية، بان هدا التعليم : تعليم طبقي .  فليرتعدوا إن موعدنا قريب جدا فليس لنا ما نخسره إلا قيودنا وأغلالنا. 

    أما بالنسبة "للغايات الكبرى" للميثاق فهي تتمثل في فتح المؤسسة التعليمية على محيطها، وأي محيط ستفتح عليه !!. انه ليس سوى المقاولة، ولهدا فمن بين الغايات الأساسية للميثاق هي جعل المتعلم قادر"على التعلم مدى الحياة "، أي بالتوازي مع التطور الذي سيحصل للآلة، وجعل الجامعة تابعة للمقاولة يعني القضاء على الفضاء العلمي للجامعة من جهة وتسييرها من طرف الرأسماليين وبالتالي خوصصتها من جهة أخرى .

    وانطلاقا مما سبق ، أي من "المرتكزات الثابتة" و"الغايات الكبرى" التي تهدف إلى خلق مواطن مسالم وخنوع ومستلب من طرف الإيديولوجية البرجوازية، والى خوصصة الجامعة وربطها بالمقاولة، يمكننا أن نقسم الميثاق كسياسة طبقية تستهدف أبناء الشعب المغربي في حقهم المقدس في التعليم، إلى شق بيداغوجي ومادي وديمقراطي.


    أ-الشق البيداغوجي

    إن الميثاق يهدف إلى ربط المؤسسة التعليمية بالمقاولة، وهدا يعني انه سيتم القضاء على الشعب الغير التقنية، والتي لا تخدم أهداف الرأسمالي أو صاحب المقاولة، وبالتالي ستتحول الجامعة من فضاء للعلم والمعرفة إلى مكان للتكوين المهني، أي انه سيتم القضاء على دورها الإشعاعي والتحرري، كما أن الميثاق بحكم انه سياسة تعليمية طبقية جاء ليطمس التاريخ المشرق للشعب المغربي، بحيث انه لا نجد في المقررات الدراسية  أي محطة مهمة من تاريخ الشعب المغربي كانتفاضة الريف، انتفاضة 23 مارس، انتفاضة 1981 ... وغيرها من المحطات النضالية المهمة والتاريخية في سيرورة نضال الشعب المغربي، وفي المقابل نجده يضخم و يعظم من دور الأشخاص الدين لعبوا أدوارا خيانية في تاريخ الشعب المغربي بدءا من الكومبرادور وعائلته وانتهاءا بسلالة الفاسي أو لنسميه أحسن الفاشي السيئ الذكر .

    وبالإضافة إلى هده البنود التي تريد أن تشل تفكير الطالب، نجد البنود الأخرى التي تعرقل سيره الدراسي وتحرمه من حقه في التعليم ودلك مثل :

    - النقطة الاقصائية التي تحرم الطلبة من حقهم في الدورة الاستدراكية.
    - النقطة الاستدراكية التي لا تتجاوز 20/10.
    - الحضور الإجباري.
    - المراقبة المستمرة.
    - الطرد في حالة تكرار بعض الوحدات لمدة أربع سنوات.
    - نظام الوحدات.
    - العراقيل التي تضعها الإدارة في حالة إعادة التسجيل،...


    ب- الشق المادي

    لقد استهدف الميثاق مجانية التعليم بشكل كلي، ودلك عن طريق محاولته خوصصة الجامعة بصفة خاصة والمؤسسات التعليمية بصفة عامة، لحرمان أبناء الجماهير الشعبية من ولوجهم للجامعة، والتي يتعذر عليهم ولوجها في الواقع حتى وهي مجانية وعمومية، وهدا ما نلاحظه عند الدخول المدرسي بحيث أن الجماهير الشعبية تتكبد الهموم عند بداية كل موسم دراسي.

    وبهدا فهو يهدف إلى رفع الدولة يدها عن التعليم وتركه للسماسرة الرأسماليين، وهدا ما يتجلى بوضوح في الفقرة  24  من "دعاماته الأساسية" التي تقول : "يشمل نظام التربية والتكوين، التعليم الأولي والتعليم الابتدائي والتعليم الإعدادي والتعليم الثانوي والتعليم العالي والتعليم الأصيل ويقصد بتعميم التعليم تعميم تربية جيدة على ناشئة المغرب بالأولي من السن 4 إلى 6 سنوات والابتدائي والإعدادي من سن 6 إلى 15سنة ".

     وهدا يعني أن الدولة رفعت يدها نهائيا على التعليم الثانوي والتعليم العالي، أما التعليم الابتدائي والإعدادي  فهي تعول على الجماعات المحلية والشركاء التربويين (الرأسماليين) والمنضمات الغير الحكومية والقطاع الخاص في تمويله والإسهام في تعميمه ، كما أن تعميم التعليم إلى سن 15 ليس اعتباطيا، ودلك لان هدا السن هو السن القانوني للشغل، بحيث سيرمى بأبناء الجماهير الشعبية في شوارع المدن، وفي أحسن الأحوال سيسقطون تحت نير الرأسماليين الدين سيشغلونهم بابخس الأثمان، لان أبواب التانويات والجامعات لن يدخلها إلا أبناء البرجوازية وعملاء الامبريالية والصهيونية .

    وفي هدا السياق سنورد مقطعا من خطاب الكومبرادور يقول فيه " أما بالنسبة للتعليم العالي فلن تفرض رسوم التسجيل إلا بعد تلات سنوات من تطبيق المشروع مع إعطاء منح الاستحقاق للطلبة المتفوقين المحتاجين"5، وهدا يعني بشكل مباشر خوصصة التعليم الجامعي أو العالي.

     ولكي يستبلد واضعوا الميثاق الجماهير الشعبية وأبنائها الكادحين، فإنهم قد وضعوا قروضا للطلبة من اجل إتمام دراستهم. فكيف يا ترى سياخد أباء وأولياء الطلاب والتلاميذ قروضا وهم لا يجدون ما يأكلون!! وان وجدوا فبئس الأكل الذي يأكلون!!. وحتى وان افترضنا أن الطلبة سياخدون قروضا، من هدا البنك الساذج الذي سيقترضون منه، وما هي  الضمانات التي سيقدمونها للاقتراض دفاترهم، أقلامهم أم صحون القطاني التي لا يأكلون غيرها.

    إن كل هده الادعاءات التي جاء بها الميثاق ليس إلا من اجل در الرماد في الأعين، لأنه حتى المنحة التي يعول عليها أغلبية الطلبة لاستكمال دراستهم، لن تعطى إلا للمتفوق المحتاج.    يا سلام على دكاء هؤلاء السادة الامبرياليين إنهم يجمعون بدون خجل وبدون حياء وبكل وقاحة بين التفوق والاحتياج!!.

    إن هدا ليس سوى سفسطة المراد منها هو حرمان أبناء الجماهير الشعبية من حقهم في المنحة، لأنه حتى ولو افترضنا انه يمكن لبعض المحتاجين أن يشكلوا استثناءا وان يتفوقوا نسبيا في دراستهم،  فان الأغلبية الكادحة والغير المتفوقة لن تاخد المنحة وبالتالي سيتم ضرب احد المكتسبات التاريخية للطلبة.

     كما أن الميثاق لم يستثني الأحياء الجامعية، فهي أيضا اخدت نصيبها من الخوصصة، وبالتالي فهو لم يكتفي بحرمان الجماهير الطلابية من المنحة، بل سعى إلى حرمانها حتى من السكن، ودلك بغية ضرب الأساس المادي لتواجد أبناء الجماهير الشعبية في الجامعة، والمتمثل أساسا في : المجانية والمنحة والسكن. ومن هنا يمكن القول بأنه لو تم تطبيق البنود التخريبية للميثاق فسيتم القضاء نهائيا على التعليم العمومي والمجاني .

    أما بالنسبة لربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي فنقول للادكياء الدين وضعوه متى كانت الجامعة مستقلة عن الواقع أي عن اقتصاد المجتمع الذي توجد فيه !؟!. فلقد نشأة الجامعة المغربية في نظام إنتاج تبعي وتطورت في ظل هدا الإنتاج، وهكذا فهي دائما كانت تعكس جميع التناقضات التي كانت ظاهرة بوضوح فيه بل وحتى الخفية منها، وظهور الجامعة بمظهر استقلالها عن الواقع ناتج على أن نظام الإنتاج التبعي يعتمد على قطاعات غير منتجة ولا تحتاج إلى قوى منتجة بأعداد كبيرة.

    مما جعلها تقوم بتخريج قوى منتجة غير قادرة على الإنتاج في المحيط الاقتصادي، ليس لان الشهادة التي تحملها لا تأهلها لدلك، وإنما لان مراكز العمل كلها مملوءة، وهنا بدأت تظهر علاقة الاستقلال بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي، في حين أنها في حقيقة الأمر غير مستقلة وإنما تابعة لقطاعات غير منتجة، مما يجعل قوى الإنتاج المتخرجة منها قوى غير منتجة.

    ولهدا فبدل هدا الشعار "ربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي" يمكنهم أن يرفعوا شعار : ربط الجامعة  بالرأسماليين والمقاولات المتواجدة في محيطها، فهم لم يكتفوا بمص دم العمال والفلاحين الفقراء وعموم الكادحين، لهدا لم يجدوا أمامهم إلا الطلبة ليمصوا دمائهم، ادا كانوا طبعا لازالوا يحتفظون ببضع قطرات من الدم.

    ولقد قال احد وزراء التعليم العالي سابقا، بأنه سيتم تكوين الطلاب حسب نوع اقتصاد المنطقة التي ينتمون إليها " فالجهة الفلاحية لابد وان تتلقى تكوينا فلاحيا والجهة الصناعية لا بد وان تتلقى تكوينا صناعيا".

     أنضروا معي إلى وقاحة هدا الخبير الاقتصادي النادر في أيامنا هده، و الذي يرسل أبناءه للدراسة في المدارس الأجنبية والخاصة. انه على ما يبدوا واسع الاطلاع على حالة الاقتصاد المغربي !!. وعلى ما يبدوا أيضا فانه ليس خبير اقتصادي وفقط ، بل هو غيور حتى على مستقبل أبناء الجماهير الشعبية. لهدا فهو حريص على تفويت الجامعة للمقاولة و لكبار الإقطاعيين، حتى يستطيع أبناء الجماهير الشعبية من التكون تكوينا اقتصاديا وفلاحيا !!. ولكن ليس في الجامعة بل في أزقة الأحياء الشعبية.

    إن هدا العلامة الخبير في الاقتصاد المغربي، اقتبس هده الجملة على ما يبدوا من المخططات التعليمية للبرجوازية في الدول الامبريالية، و من دون أن يكلف نفسه عناء التفكير فيها وجعلها تتلاءم مع الواقع المغربي. فأي اقتصاد وأي فلاحة يتكلم علنها هؤلاء السادة الدين يرسلون أبناءهم للدراسة في المدارس الخاصة وبعدها الأجنبية !؟! و أي محيط يريدون أن يربطوا به الجامعة !؟! فهل سيربطونها باقتصاد تبعي عاجز حتى على تلبية المواد الضرورية لمعيشة الشعب المغربي !! أم بفلاحة لا زالت تعول على تساقط الأمطار، وفي حالة تأخرها يرفعون أيديهم متضرعين إلى السماء طالبين منها - في مشهد كاريكاتوري يذكرنا بالشعوب التي عاشت تاريخها خيالا في الأسطورة- بان تجود عليهم ببضع قطرات من الماء !!.

    إن ربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي في نضرهم، يعني أولا وقبل كل شيء ربطها بالرأسمال العالمي والمحلي وبكبار الإقطاعيين، أي تفويتها للقطاع الخاص عن طريق إنشاء مقاولات جامعية، سيصير فيها الطالب هو المادة الخام، أما السادة الاساتدة فعبارة عن وسيلة إنتاج، ستقوم بتخريج مجموعة من السلع البشرية حسب ما يتطلبه السوق وانصياعا لرغبة أسيادهم الامبرياليين.

    وخلاصة القول، إن الجامعة المغربية خاصة والتعليم العمومي عامة، سيتم القضاء عليه وتفويته للخواص، وسيكون مصير أبناء الجماهير الشعبية هو الشارع بعدما سيعجزون بشكل حتمي عن أداء رسوم التسجيل، ولهدا فان  النضال الحازم والمستميت ضد السياسية التعليمية هو سبيلنا الوحيد والأوحد للحفاظ على مجانية التعليم وعموميته.


    ج- الشق الديمقراطي

    لقد شكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مند تأسيسه الإطار الوحيد والشرعي للحركة الطلابية المغربية، التي بفضلها تم إفشال مجموعة من السياسات والمخططات الطبقية التي كانت تهدف إلى حرمان أبناء الشعب المغربي من حقهم المقدس في التعليم، فلولا الروح الكفاحية للحركة الطلابية المغربية بقيادة خطها الكفاحي والتقدمي لما استمرت مجانية التعليم وعموميته، ولما حافظت الجماهير الطلابية على مكتسباتها التاريخية.

    ودلك لان النظام القائم كان يريد مند سنة 1965 ، حرمان أبناء الجماهير الشعبية من حقهم في التعليم، ولهدا فليس غريبا أن الميثاق يحاول أن يضرب الحركة الطلابية المغربية وخطها الكفاحي والتقدمي، ودلك عن طريق تجريم العمل النقابي والسياسي في الجامعة، و دعوته إلى خلق النوادي والجمعيات الطلابية كبديل عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. وفي هدا السياق جاء تأسيس "منظمة التخريب الطلابي" وبعض النوادي المشبوهة، بالإضافة إلى خلق "مجالس الكلية" التي ليست سوى مجالس إدارية لا تعبر عن رغبة وطموح الجماهير الطلابية.

    ولقد كان رد الجماهير الطلابية واضحا في اغلب المواقع الجامعية بحيث زاد التحامها بخطها الكفاحي و التقدمي وتشبثها بإطارها الوحيد والأوحد اوطم، وهدا ما عبرت عنه في معاركها البطولية، التي خاضتها تحت القيادة السياسية والميدانية لطلبة القاعديين من اجل تجميد البنود التخريبية للميثاق وتوفير الشروط اللازمة لمواجهته الطبقية.


    5- أفاق تصدي الحركة الطلابية للسياسة التعليمية

    بعدما تم التطرق فيما سبق للشروط التي نشأت فيها الجامعة المغربية وكيفية تطورها والسياق الدولي والوطني لتطبيق السياسة التعليمية، لا بد لنا وان نتناول  الآن آفاق الحركة الطلابية في تصديها للميثاق، والأدوار التي من الممكن أن تلعبها من اجل دلك، حفاظا على مكسب التعليم الذي ضحى من اجله أسلافنا. ومن هنا ما هي الحركة الطلابية؟ وما هو موقعها في حركة التحرر الوطني؟ وأية آفاق لها في تصديها للميثاق؟ وكيف يمكن أن تساهم في مواجهته الطبقية؟.

    إن "الحركة الطلابية تستمد مقومات وجودها بالنظر إلى قاعدتها الاجتماعية " والتي تنحدر  " من جماهير الشعب المغربي كقطب مستقل تتقاسم كل الفئات والطبقات المشكلة له، واقع الاضطهاد والاستغلال والحيف الاجتماعي بكل أشكاله، وبالنظر كذلك إلى نوعية توجهها المبدئي العام الذي - تبعا للأساس الاجتماعي - يتأصل من المنحى التحرري الذي يشكل وحدة الانتماء التاريخي ضمنه المستقبلي لكافة مكونات الشعب المغربي"6، إضافة إلى "ارتباطها بالصراع الطبقي- بين التحالف الطبقي النقيض والقوى الطبقية الرجعية المسيطرة- في المجتمع المغربي، وإسهامها فيه "7.

     وهدا يعني أن الحركة الطلابية تستمد مقومات وجودها من أبناء الجماهير الشعبية، لأنهم يدخلون في تناقض رئيسي مع السياسة التعليمية التي تستهدف حقهم المقدس في التعليم العمومي والمجاني ، إضافة إلى هويتها الكفاحية والتقدمية التي تتأصل تبعا لهدا الانتماء، والتي تجعلها دائما منحازة إلى هموم وقضايا الجماهير الشعبية في صراعها مع النظام القائم.

    أما بالنسبة لموقعها في حركة التحرر الوطني، فتعتبر رافدا من روافدها، أي جزءا لايتجزا منها، ودلك لان " الفعل الذي تنتجه الحركة الطلابية في إضافته إلى الفعل المنتج من باقي مواقع الحركة الجماهيرية يشكل كلا متكاملا هو بالتحديد تجل لممارسة القطب الطبقي النقيض لصراعه الطبقي في مواجهة القوى الطبقية الرجعية المسيطرة داخل البلاد"8، وهدا الكل المتكامل هو القادر على المواجهة الطبقية الشاملة، للمخططات الطبقية للنظام القائم بقيادة الطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين، ودلك لان هده المواجهة هي نفسها الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.

    ووفق هدا الفهم تكون الحركة الطلابية غير قادرة على قيادة المواجهة الطبقية الشاملة للميثاق، نظرا لجزئيتها في حركة الصراع الطبقي، إضافة إلى أن الميثاق انزله التحالف الطبقي المسيطر على أبناء الجماهير الشعبية، وبالتالي فان المواجهة الشاملة، لن تكون من قبل الحركة الطلابية، وإنما من قبل التحالف الطبقي النقيض بقيادة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وعموم الكادحين، ومن هنا فادا كانت الحركة الطلابية غير قادرة على قيادة هده المواجهة، للأسباب الموضوعية والذاتية التي تم ذكرها فأية آفاق لها في تصديها للميثاق؟.

    إن تصدي الحركة الطلابية للميثاق يعتبر مواجهة جزئية، أو لنقل مواجهة من موقعها في الصراع الطبقي لهده السياسة الطبقية ، وتتجسد هده المواجهة في تجميدها لبنودها التخريبية التي تهدف إلى عرقلة المسيرة الدراسية للجماهير الطلابية، وتتمثل هده البنود فيما هو مادي وبيداغوجي وديمقراطي، ودلك مثل تجميد بند الطرد أو البند القاضي بخوصصة الجامعة والأحياء الجامعية أو الذي يجرم العمل النقابي والعمل السياسي في الساحة الجامعية أو البنود المتعلقة بما هو بيداغوجي ....، ولقد تم التطرق سابقا لهده البنود عندما تناولنا الميثاق وحددنا أهدافه، وفي هدا السياق فلقد استطاعت الحركة الطلابية في اغلب المواقع الجامعية أن تقود معارك بطولية من اجل تجميد البنود التخريبية للميثاق، وفرض حرية العمل النقابي والسياسي.

    وفي خضم هده المعارك تأكد صحة التصور القاعدي، بحيث أنه حتى المواقع التي سادت فيها الطروحات الانتهازية اليسراوية المغامرة، التي تفتقد إلى التحليل العلمي، والتي كانت ترى بان الحركة الطلابية قادرة على قيادة المواجهة الشاملة للميثاق، قد تراجعت عن هدا الموقف بعدما اصطدمت بواقع عدم قدرة الحركة على دلك، لان هدا الفعل يفوق إمكانياتها الذاتية والموضوعية، والتي لا تأهلها- أي إمكانياتها- إلا للمساهمة في المواجهة الطبقية الشاملة، أو لنقل في الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.

     وحتى الدين لازالوا متشبثين بهدا الموقف الخاطئ، فان عجزهم الميداني عن قيادة الحركة ولو في معارك لتجميد بنود الميثاق، فما بالك بمعارك لمواجهته الشاملة، كفيل بان يجعلهم يراجعون منطق ممارستهم الذي لا يحتكم للتحليل العلمي، وما يستلزمه من التحليل الملموس للواقع الملموس. ومن هنا كيف يمكن للحركة الطلابية أن تساهم في المواجهة الطبقية للميثاق؟

    إن الحركة الطلابية كما رأينا، تقوم في نضالها ضد الميثاق بالمواجهة الجزئية أو بالتصدي لبنوده التخريبية، ودلك عن طريق تجميد بنوده التي تستهدف التواجد المادي لأبناء الجماهير الشعبية في الجامعة وتحرمهم من حقه في التعليم.

     و في خضم تصديها للميثاق تقوم بتوفير الشروط اللازمة لمواجهته الطبقية، من موقعها كحركة طلابية، و في إطار مساهمتها في الصراع السياسي بين التحالف الطبقي المسيطر والتحالف الطبقي النقيض، سواء انطلاقا من مساندتها الدائمة لمعارك الجماهير الشعبية، أو من مساهمتها في المراكمة لفرز الأداة السياسية التورية للطبقة العاملة، والتي وحدها قادرة على تنظيم العنف الثوري للجماهير الشعبية في مقابل العنف الرجعي المنضم للطبقات السائدة.    

     إن مساهمة الحركة الطلابية - كحركة تقدمية ومتقدمة في واقع الجزر النسبي الذي تعرفه الحركة الجماهيرية - ترجع بالأساس إلى إمكانياتها النضالية الهائلة، والتي  تؤهل مناضليها، كمناضلين شيوعيين إلى التحريض والتشهير وسط الطبقات والفئات الشعبية المتضررة من هده السياسة التعليمية. وفي هدا السياق يمكن أن نضع الشعار الذي قدمه القاعديين التقدميين سنة 1999  لتأطير تصديهم للميثاق، حتى قبل انزاله في الجامعة والدي تجسد في شعار " من اجل تهييئ الشروط اللازمة للمواجهة الطبقية  للميثاق".

    ولقد خاضت الحركة الطلابية تحت هدا الشعار أول معركة وطنية ضد الميثاق، توجت بالدعوة إلى وقفة وطنية في الرباط ، تخاذلت جميع القوى - حتى التي كانت تحسب نفسها  على الخط التقدمي- في الحضور إليها.

     ولقد سبقت هده المعركة النضالية الوطنية مجموعة من الخطوات النضالية، تمثلت أساسا في حملة التشهير الواسعة بالسياسة التعليمية والمخططات الطبقية للنظام، عن طريق توزيع المناشير التحريضية والقيام بالنقاشات التعبوية في الأحياء الشعبية وبين صفوف الجماهير الطلابية، ولقد اعتبرت هده المعركة بمثابة بداية التهييئ لمعارك التصدي للميثاق بعد انزاله في الجامعة، أي بعد سنة 2003.

    وستستطيع الحركة الطلابية بعد دلك، أن تجمد بنوده التخريبية، وستقوم بمجموعة من المعارك البطولية في اغلب المواقع الجامعية بقيادة الخط الكفاحي و التقدمي، ستحقق من خلالها مكتسبات هامة للجماهير الطلابية تكمن في السكن والنقل والمنحة ... إلى غير دلك من المكتسبات البيداغوجية، ولعل آخر معارك التصدي للميثاق هي المعركة التي خاضتها الجماهير الطلابية في موقع القنيطرة السنة الماضية، و التي حققت بموجبها مكتسبات هامة وحصنت من خلالها بعض المكتسبات التاريخية للجماهير الطلابية.

    وكخلاصة لما سبق يمكن القول أن مهمة الحركة الطلابية، هي التصدي للسياسة التعليمية عن طريق تجميد بنودها التخريبية، و المساهمة انطلاقا من موقعها في تهييئ الشروط اللازمة للمواجهة الطبقية للميثاق، في إطار مساهمتها في تهييئ الشروط اللازمة للثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، ودلك " لان نضال الطلاب من اجل جامعة وطنية وثيق الارتباط بنضال العمال والفلاحين من اجل إنتاج وطني، فالنضال الوطني واحد وشامل وتحالف القوى الشعبية التي تقوم به شرط تاريخي لنجاحه، إن القوى المنتجة المنضمة من عمال وفلاحين واعية لضرورة هدا التحالف الطبقي ولوحدة النضال الوطني التحرري، فادا وعى الطلاب هده الضرورة الطبقية لنضالهم، أمكن لوعيهم أن يتعمق ويزداد ثورية، فينتقل بدلك من الوعي التمردي إلى الوعي الطبقي"9.     



                                                                              حــسام عـزيـــز
                                                                                    14/05/2012

    لائـــحة المـراجــــع:

         * لقد كتب هدا المقال قبل سنتين من هدا التاريخ، ولكنه لم ينشر، ولقد ارتأينا اليوم نشره
           بعد قيامنا بمجموعة من التعديلات الضرورية عليه.           
    1-   مهدي عامل، مقدمات نظرية، راجع ص : 49-50-51.
    2-   مهدي عامل، مقدمات نظرية، ص : 51.
    ** لقد أعاد الطلبة القاعديين صياغة هدا الشعار وعبروا عنه بتعليم شعبي ديمقراطي علمي وموحد.
    3- الأرضية السياسية والتنظيمية للطلبة القاعديين التقدميين، ص : 6.
    4- الأرضية السياسية والتنظيمية للطلبة القاعديين التقدميين، ص : 4.
    5- خطاب الكومبرادور في مدينة الرباط ، في 8 أكتوبر1999، و يزكي الميثاق هدا القول في المادة 177.
    6- الأرضية السياسية والتنظيمية للطلبة القاعديين التقدميين، ص : 4.
    7- الكلمة الممانعة، ص :13.
    8- الأرضية السياسية والتنظيمية للطلبة القاعديين التقدميين، ص :4.
    9- مهدي عامل، قضايا التعليم و السياسية، ص : 38-39. 
    Unknown
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع Evol Tud .

    إرسال تعليق