تعتبر الماركسية نسقا نظريا شاملا، لأنها فلسفة تناولت قضايا الحياة من جميع جوانبها، فلقد استطاعت أن تحلل بعمق - افتقدته الفلسفة المثالية والمادية الميكانيكية- مجموعة من القضايا والظواهر في مختلف المجالات، سواء منها تلك المتعلقة بالبنية التحتية للمجتمع، أو ما يتعلق بالصيغ الإيديولوجية المكونة لبنيته الفوقية، ورغم كونها تشكل نسقا نظريا شاملا فهي لا تعتبر أن كل ما أنتجه مكتشفوها وخاصة ماركس وانجلز وبعدهما لينين...، حقيقة مطلقة، لأنها من جهة ليست عقيدة جامدة ومكتملة، ومن جهة أخرى فهي تؤمن بالنقد من داخلها، فلقد كان انجلز يؤكد دائما بأنه على المادية الجدلية أن تطور نفسها بالموازاة مع كل اكتشاف جديد تشهده العلوم الطبيعية.
إن هده المقدمة ضرورة لا غنى عنها لتناول موضوع أساسي يعتبر من الإشكالات التي تعاني منها حركة اليسار المغربي، ألا وهو موضوع الانتقائية في الفكر النظري والمتلازم بالضرورة مع الانتقائية في الفعل النضالي، بحيث أصبح بعض المناضلين ولن نغالي إذا قلنا بعض التنظيمات اليسارية بأكملها تمارس هذه العملية بشكل مكشوف (الجمع مثلا بين الاشتراكية والملكية البرلمانية، الاعتراف بالصراع الطبقي ونفي الثورة، الدعوة إلى الثورة في بعض الأحيان ونفي ديكتاتورية البروليتاريا...).
بحيث نجدها تتبنى جزءا من الماركسية وهو بالضرورة ذلك الجزء الذي يخدم مصالحها، ولا يزعج التحالف الطبقي المسيطر، وتترك الجزء الآخر الذي يخدم مصالح الطبقة العاملة ويتعارض مع المصالح البرجوازية، وتبعا لذلك تمارس فعلها النضالي بطريقة انتقائية أيضا فهي تحضر في الأشكال النضالية ذات الصبغة الديمقراطية السلمية ولكن بمجرد ما أن تتطور الأشكال النضالية حتى تنسحب منها تاركة الجماهير الشعبية والمناضلين المخلصين لقضاياها وهمومها في الواجهة أمام القمع والاعتقال.
إن هذا الأسلوب الانتقائي -الذي يقوم به من يطلقون على أنفسهم ماركسيين- للفكر النظري الماركسي، يضر بالحركة الجماهيرية كثيرا من حيت انه يربي الناشئة تربية انتهازية..فماذا سننتظر من مناضل تربى تربية انتهازية على يد انتقائي؟!! وماذا سننتظر من ديماغوجي يستخدم نصوصا أو جملا مبتورة من سياقها لتبرير تقاعسه أو انتظاريته؟!!.. إن مثل هؤلاء المناضلين نادرا ما يتم إعادة تربيتهم وصقل هويتهم في هوية كفاحية و تقدمية، لهذا فان أحسن طريقة للتعامل معهم هي عزلهم عن طريق الدفع بالحركة لتجاوز انتظاريتهم، وفضحهم عن طريق التعريف بمبادئ الماركسية التي تم طمسها أو تشويهها، حتى لا يلعبون نفس الدور الذي لعبه "معلميهم" في تخريب الحركة.
ولعل أكبر تشويه في هذه الآونة هو ما يقع لفكر المناضل الماركسي اللينيني "مهدي عامل"، الذي يتم غالبا استخدام مفاهيمه بل صياغات بأكملها من كتاباته ولكن بعدما يتم تشويهها وإفراغها من مضمونها، فيحولونه من ماركسي لينيني ثوري إلى مناضل ديمقراطي يقف دائما في وجه الثورة!! تارة باسم "أزمنة البنية الاجتماعية" بعد فصلها فصلا مطلقا عن بعضها البعض، وتارة أخرى باسم نقده للطرح المغامر! ومن هو هذا الطرح الذي يريدون استخدام فكر مهدي عامل - بعد تشويهه- لمحاصرته؟.
انه الطرح الذي يدعوا جميع الثوريين إلى العمل على توفير شروط الثورة، يدعوهم إلى تهييئ أنفسهم من أجل ألا يباغتهم انفجار جماهيري جديد كما وقع إبان حركة 20 فبراير، من اجل ألا يذهب ذلك الجهد الذي يقومون ونقوم به سدا، من أجل أن نراكم ونصون للأجيال الآتية خبراتنا ومعارفنا ونرسم لهم طريق الغد الجميل... ضد هؤلاء المناضلين يشوه الانتقائيون فكر مهدي عامل، ليبرروا انتضاريتهم وليصيحوا ملئ فمهم : ما زلنا لم نصل بعد إلى "زمان القطع" !! فلماذا تريدون أن نساهم معكم في توفير شروط الثورة وبناء أدواتها!!.. وكأن زمن القطع سيوفر في نظرهم بقدرة قادر هذه الشروط ، فلينتظروا "زمان القطع" فإلى ذلك الحين أظن أنهم سيقطعون من جذورهم، فلا زمان للقطع من دون دحض أطروحاتهم الانتقائية، وانتصار الأطروحات الماركسية.
إن ظاهرة الانتقائية وتفشيها في أوساط اليسار المغربي، - كما قلنا- لم تبقى حبيسة الفكر وفقط، بل انتقلت إلى الفعل النضالي، وهدا طبيعي من وجهة نظري، فلا يمكن أن ننتظر ممن لا يتبنى سوى الطرح الديمقراطي في الماركسية المناهض للثقافة الإقطاعية والرجعية الدينية، أن يهدف إلى تغيير الواقع تغييرا ثوريا، بل لا يمكن أن ننتظر منهم حتى الدفع بالحركة لتراكم وتهيئ الجماهير إلى الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، فهذه المهمة تبقى رهينة بعمل الماركسيين وليس أنصاف أو أرباع الماركسيين، ولقد انضافت إليها الآن لتفشي ظاهرة الانتقائية عند ماركسييـ"نـا"، مهمة أخرى وهي التعريف بمبادئ الماركسية وأسسها.
تعليقات: 0
إرسال تعليق